عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
287
اللباب في علوم الكتاب
أحدهما : أسعفنا إلى ما نطلب إليك من الدّعاء بحق ما عندك من عهد اللّه ، وكرامته إيّاك بالنّبوّة أو ادع اللّه لنا متوسّلا إليه بعهده عندك ، وإمّا أن يكون قسما مجابا ب « لنؤمننّ » أي : « أقسمنا بعهد اللّه عندك » . فصل [ في أن اللّه تعالى بيّن ما كانوا عليه من المناقضة القبيحة ] اعلم أنّه تعالى بيّن ما كانوا عليه من المناقضة القبيحة ، لأنّهم تارة يكذبون موسى عليه الصّلاة والسّلام ، وأخرى عند الشّدائد يفزعون إليه فزع الأمة إلى نبيّها ويسألونه أن يسأل ربّه رفع العذاب عنهم ، وذلك يقتضي أنهم سلّموا كونه نبيّا مجاب الدّعوة ، ثمّ بعد زوال تلك الشّدائد يعودون إلى تكذيبه . وقوله : « فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الرِّجْزَ » . أي : العذاب . إلى أجل فيه وجهان : أحدهما : أن يتعلّق ب « كشفنا » وهو المشهور ، وعليه إشكال وهو أنّ ما دخلت عليه « لمّا » يترتّب جوابه على ابتداء وقوعه ، والغاية تنافي التعليق على ابتداء الوقوع ، فلا بدّ من تعقل الابتداء والاستمرار حتّى تتحقّق الغاية ، ولذلك لا تقع الغاية في الفعل غير المتطاول . لا يقال : لمّا قتلت زيدا إلى يوم الخميس جرى كذا ، ولا لمّا وثبت إلى يوم الجمعة اتّفق كذا ، وقد يجاب بأنّ المراد بالأجل هنا : وقت إيمانهم ، وإرسالهم بني إسرائيل معه ، ويكون المراد بالكشف : استمرار رفع الرّجز . كأنه قيل : فلمّا تمادى كشفنا عنهم إلى أجل ، وأمّا من فسّر « الأجل » بالموت أو بالغرق فيحتاج إلى حذف مضاف تقديره : فلمّا كشفنا عنهم الرجز إلى أجل قرب أجل هم بالغوه ، وإنّما احتاج إلى ذلك ، لأنّ بين موتهم أو غرقهم حصل منهم نكث ، فكيف يتصوّر أن يكون النّكث منهم بعد موتهم ، أو غرقهم ؟ والثاني : أنّه متعلّق بمحذوف على أنّه حال من « الرّجز » أي : فلمّا كشفنا عنهم الرجز كائنا إلى أجل ، والمعنى : أنّ العذاب كان مؤجّلا . قال أبو حيّان « 1 » : ويقوّي هذا التأويل كون جواب « لمّا » جاء ب « إذا » الفجائية أي : فلمّا كشفنا عنهم العذاب المقرّر عليهم إلى أجل فاجؤوا بالنّكث ، وعلى معنى تغييته الكشف بالأجل المبلوغ لا تتأتى المفاجأة إلّا على تأويل الكشف بالاستمرار المغيّا فيمكن المفاجأة بالنّكث إذ ذاك ممكن . قوله : « هم بالغوه » في محلّ جر صفة ل « أجل » والوصف بهذه الجملة أبلغ من وصفه بالمفرد ، لتكرر الضّمير المؤذن بالتّفخيم . وقوله : « إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ » هذه « إذا » الفجائيّة ، وتقدّم الكلام عليها قريبا . و « هم » مبتدأ ، و « ينكثون » خبره ، و « إذا » جواب « لمّا » كما تقدّم بالتّأويل المذكور .
--> ( 1 ) ينظر : البحر المحيط 4 / 374 .